محمد باقر الملكي الميانجي
31
مناهج البيان في تفسير القرآن
والظاهر من سياق الآية صدرا وذيلا أنّ الضمير راجع إلى الكتاب لا المتشابه فقط . والشاهد على ذلك قوله تعالى : « يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » . ولا يخفى أنّ المراد من لفظ التأويل والظاهر منه هو المعنى المصدري وهذا لا ينافي ما سيجيء من أنّ الكتاب كلّه ظاهره ومتشابهه له تأويل واقعا مراد للّه سبحانه وله بطون وتخوم إلى سبعة أبطن . فإنّ ما يناسب عمل الزائغين من التأويل هو التحرّي لصرف الآيات عن ظواهرها بالمغالطة والشيطنة لا ابتغاء التأويل الواقعي المراد عند اللّه سبحانه . وما لهم والتأويل الواقعي ؟ ! فإنّهم ما قصدوه وما طلبوه . كيف ؟ ! وبغيتهم وغاية آمالهم التلاعب بالكتاب وبما يتضمّن من المعارف والأحكام . وفي مقابل الزائغين ، الراسخون المستضيئون بنور العقل ، يعرفون أنّ القول بغير علم جناية بالضّرورة وأنّ تحريف الكلم عن مواضعه كفر بآيات اللّه بالبداهة فسبيلهم السكوت عن مالا يعلمون من المتشابه والقيام بما يعرفون من الدّين احتراما للحقّ وتشريفا للعلم وامتثالا للّه جلّ شأنه ، والإيمان بما يعلمون ومالا يعلمون من آيات اللّه وسنّة نبيّه وأنّ طلب العلم فريضة يدعو إليه العقل ويهدي إليه الشرع . قوله تعالى : « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » الظّاهر أنّ الآية الكريمة ليست في مقام إثبات علم التأويل للّه تعالى فقط بل الظاهر أنّها في مقام بيان نفي الاستقلال والتفويض عن العالمين بالتأويل . بيان ذلك أنّ الأفعال الواقعة منه سبحانه في نظام الأسباب والمسببات لا بدّ من نفي الاستقلال عن الأسباب ونسبة الفعل إليه سبحانه ما عدا أفعال العباد الاختياريّة . فمدبّرات الأمور الموكّلة لإجراء أمره تعالى وإنفاذ حكمه ، أسباب لا بدّ من تأثيرها في المسببات من إذنه . مثلا الموكّلون لقبض الأرواح وتوفّي النفوس ، مأمورون بإنفاذ أمره تعالى ولا استقلال لهم في ذلك ولا تفويض فيصحّ أن يقال : « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها » وكذا يصحّ أن يقال : « قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ » ، ويصحّ أن يقال : لا قابض إلّا اللّه . ويصحّ أيضا أن يقال : إنّ قابض الأرواح هو عزرائيل عليه السّلام ؛ وهكذا في غيره من أفعاله سبحانه الواقعة في نظام الأسباب . فمعنى الحصر في هذه الموارد ليس إلّا لإثبات التوحيد وإبطال توهّم الاستقلال والتفويض لا لنفي الأسباب